Yahoo!

رواية عمرة الدار

كتبها هويدا صالح ، في 14 يونيو 2007 الساعة: 03:20 ص

الإهداء

إلي أبي عبد القادر صالح

وأمي صباح محمد مرسي

 

 قاعة الشيخ  " عليّ  " كما كان يسميها  الحاج صالح، والمقعد البحري كما كان يسميها باقي سكان المنزل الكبير.  هي سر من أسرار المنزل .يتم الحديث عنها همسا أو بالتلميح . وهي موضع أسئلة الصغار الدائمة .

 حين يقترب موعد الصلاة  .  تفتح باب المقعد البحري و تدخل . تنتظر سلوي قليلا من الوقت  ، ثم تسرع خلفها.  دائما تأسرها الحصر المزينة برسوم الخيول والجمال التي تحمل الذاهبين إلى الرسول للحج .المخدات الصغيرة المغطاة بالقطيفة مرصوصة في الأركان بدقة. كثيرا ما قارنت بين القنديل المعلق في سقف المقعد وقنديل أم هاشم في الحرم الزينبي . زاغت عيون الصغيرة  ، حين لمحتها صباح  أسرعت لتشدها من يدها :

ـ تعالي هنا علشان متشغليش ستك في الصلاة .

ـ سيبيني يامه أبص بس علي الصور واستني ستي .

ـ  أنت مشبعتيش من الفرجة؟

 أشارت بيدها علي اللوحة الزيتية الكبيرة،تلك التي رسمتها يد فنان بدقة لموكب الحج . لرجل  في متوسط العمر تطاير شال عمامته الأبيض ،وبالرغم أن جدها الشيخ  صالح يقول دائما أنه جدهم الكبير الذي قدم مع بداية الفتح الإسلامي واستقر في الصعيد ،إلا أنها كلما رأته غاصت في صورة المسيح الموضوعة في بيت صديقتها ؟ والحائط المقابل لها صورة خضراء فسفورية مكتوب عليها بخط كوفي شجرة الأنبياء ، بجانبها مباشرة  صورة مكتوب عليها بنفس الخط شجرة العائلة . يتسلسل فيها نسب العائلة حتي الدوحة العلوية .

ـ يا بنتي متوجعيش قلبي . ستك قربت تخلص استنيها بره  .

أشارت لها الحاجة التي سلمت عن يمينها وشمالها في تلك اللحظة فتركتها وخرجت ، قرفصت سلوي بجانب جدتها والحاجة تختم صلاتها وتمر بيدها علي جسد الصغيرة وتدعو .

ـ ادعيلي يا ستي أبقي دكتورة .

تمر يد الجدة  علي رأس الصغيرة وهي تتمتم  بالدعاء والصغيرة ملهية بالصور  :

ـ مين دول يا ستي اللي في الصورة الكبيرة ؟

ترفع الجدة  يدها في الهواء ، وتُشير علي الجزء الذي يظهر فيه الرجل ذو الشال وتقول:

ـ ده جدنا الكبير اللي راكب علي الحصان الأصهب وشاله مطيره  الهواء  .

ـ هوه كان فيه زمان تصوير زي الأستوديو اللي في دير مواس يا ستي ؟

ـ لأ طبعاً ده رسم .

ـ بس يا ستي دي الصورة  زي ما تكون حقيقة .

تعجبت الحاجة من فضول الصغار  وفي صوت مليء بالعطف والحب قالت لها :

ـ يلا يا ست البنات  سمعيني اللي حفظتيه عند الشيخ جلال .

ـ تعرفي يا ستي سامية بنت عمي  " علي " الشيخ حلف ليعلقها في الفلكة زي الصبيان لما محفظتش الغاشية 

ـ وانتي حافظة  لغاية فين ؟

ـ حافظة لغاية التحريم اسمعك يا ستي ؟

 تربعت الصغيرة وقلدت الشيخ (جلال) الذي يحفظّها القرآن في الكتّاب وعقدت ما بين حاجبيها ووضعت يدها على أذنها ومالت بجسدها يمينا ويسارا وقرأت. خرج صوتها منغماً بالآيات القصيرة ،حاولت جاهدة أن تقلد نبرة صوت الشيخ جلال فجاء صوتها غليظاً وضمت شفتيها وبعد الانتهاء من التجويد قالت :

ـ يا بت يا سامية لو محفظتيش زي سلوي هعلقك في الفلكة  ، سامعة ولا أبعت لجدك الشيخ صالح .

ضحكت الحاجة علي طريقة تقليدها واحتضنتها ، ثم أمسكت بيدها الصغيرة بين يديها الدافئتين  وأخذتها إلى حجرتها لتعطيها مكافأتها .

ـ هتديني سكر نبات يا ستي مش كده .؟

ـ هديكي سكر بنات علشان انتي زي السكر .

ـ وسامية يا ستي لما تيجي هتديها زيي ؟

ـ طبعاً هديها هيه كمان .

ـ ليه يا ستي؟

ثم سحبت يدها من يد ستها التي وقفت أمام الصندوق وأضافت وهي تتطلع بعيونها الصغيرة إلي عيون جدتها قائلة:

ـ  وهيه شاطرة زيي ؟

مدت الجدة يدها إلي رأس الصغيرة  ، وجذبتها إلي صدرها . غابت  في دفء الصدر ، ثم سحبت نفسها فجأة وتطلعت لوجه جدتها :

ـ ستي هي  سامية ليه مش زيي ، ومرات عمي دايما بتضربها .

أخرجت  الجدة مفتاحا  أصفر لامعا ، نزلت  بجسدها الأبيض الثقيل إلي الصندوق وهي  تقول :

ـ  معلش يا حبيبتي ، أمك غير مرات عمك

ـ طيب يا ستي إديها علشان تبقي  شاطرة زيي . .  ولا أقول لك  يا ستي لما تحفظ  . دي بتلعب طول النهار ومش بترضي تيجي معي علشان جدي يحفظنا  ، ولما ييجي جدي  " جود " تجري فُريرة تكون أول واحدة قاعدة .

ابتسمت الجدة  وهي تضع المفتاح في مكمنه ثم نظرت إلي الصغيرة وبابتسامة كبيرة قالت  :

ـ معلش بكرة تفهم وتبقي شطورة زيك كده .

أمسكت بقطعة السكر النبات ونظرت إليها كثيرا قبل أن تضعها سريعا في فمها ،وهي التي فكرت طوال الطريق من  المقعد البحري إلي حجرة جدتها أن تحتفظ بقطعة السكر ، حتي تغيظ بها ابنة عمها،لمحت الجدة ذلك التوتر الذي اكتست به ملامح الصغيرة وهي تضع القطعة في فمها ، ثم تخرجها بسرعة ، ثم لا تقدر علي مقاومة الطعم الجميل الذي أصبحت تحس به وأدخلت القطعة سريعا  مرة أخري . الجدة تمد يدها إلي الصندوق مرة أخري . تخرج قطعة أخري تمنحها لها . نظرت إليها ملياً ثم دستها في  جيبها  وهي تكاد تطير من فوق الأرض.

 قبل أن يحل المساء تدخل الحاجة إلى القاعة . تخلع زجاج القنديل تغسله بليفة ناعمة مغطاة برغاوي الصابون ثم تشطفه جيدا بالماء وتحضر قماشة ناعمة وتدخلها في زجاج القنديل وتلفها حتى تجففه تماما وتشعله ،  ولا تنسى أن تخفض الشعلة قليلا ، وتركب الزجاج اللامع ، ثم تعلقه وتخرج.  تجد الصغيرة  تنتظرها على باب القاعة  . تعجب من أمرها فهي لا تلعب كباقي الصغار ،  بل تنشغل دائما بما تفعله الجدة وبما يدور في حلقات الذكر . تدخل نفسها تحت ذراعها وتسير معها إلى حجرتها تجلس معها على سريرها وتسألها عن قاعة الشيخ (على). تبتسم الحاجة ومن خلال رموشها السوداء الطويلة تلمح الصغيرة دمعة تترقرق في عيون الجدة .  تتنهد وتقول للصغيرة إنه رجل مبارك يسكن القاعة البحرية . تتحير الصغيرة وتسأل جدتها:

ـ  يعني إيه مبارك يا ستي ؟

ـ يعني مغطينا ببركته وساكن المقعد البحري .

ـ ميت يعني ومدفون فيها ؟

ـ  ماحدش عارف جسمه مدفون هنا في المقعد ده ،

ثم تشير بيدها علي الجهة البحرية التي يسكنها الشيخ وهي تضيف:

ـ ولا في المقام اللي في  أول البلد عند الترب ،

ابتسمت الصغيرة وهي تقول:

ـ قصدك المقام اللي الحاجة نبوية  بتخدم فيه؟

ابتسمت الجدة وربتت علي رأسها ، وهي تهز رأسها بإشارة الموافقة.

ـ طيب وانتوا عرفتوه منين يا ستي ؟

ـ طلعنا لقينا أهلنا بيقولوا  لنا دي قاعة الشيخ علي وماحدش متأكد من دفنه فيها ولا في المقام ،بس اللي الكل متأكد منه إنه بيجمع أهل الخطوة للصلاة كل ليلة جمعة .

ـ ممكن يا ستي أطلب منه طلب ؟

ـ تطلبي منه إيه ؟

ـ ممكن أقوله يطلب من ربنا إنه يدي أمي ولد زي محمد ابن عمي ؟

ضمتها الجدة في صدرها ، وهي تكاد تبكي وقالت بصوت المتأكد:

ـ ربنا يا عين أمك هيكرمها المرة دي أنا حاسة  بكده .

ـ دي مرات عمي تحية بتخليها ساعات تعيط لما يتخانقوا .

ـ أمك غلطانة. إيه يعني ولد ولا بنت ده انتي عند جدك بكل الصبيان .

ـ بس برضو أمي زعلانة دايما من كلامها ،ثم سكتت قليلا  وهي تتطلع إلي وجه جدتها الرائق وأضافت:

ـ هوه إحنا وحشين يا ستي؟

احتضنتها الجدة سريعا وقالت بحدة :

ـ لأ يا عين ستك أنت  وإخواتك ما شاء الله ربنا يبارك فيكم بس هنقول إيه عقل نسوان فاضي .

ـ تعرفي يا ستي ناهد أختي شاطرة هيه كمان أشطر من كل ولاد عمي الصبيان حتي المدرسين دايما بيسقفوا لها، و ميرفت كمان . كلنا شاطرين .

 ـ بكرة ربنا ينصفكم وينصف أمكم .

تحيرت الصغيرة من كلام الجدة ولم تفهمه تماماً ،مرات عديدة  قاومت النوم حتى ترى الشيخ (علىّ ) يؤم أهل الخطوة في صلاة الفجر في القاعة البحرية  ، ودوماً يغلبها النوم ولا ترى شيئاً  .

في ليلة من ليالي الصيف جلست الصغيرة في حجر جدتها ، وهي تداعب حبات مسبحتها التي تشع نوراً فسفورياً في الظلام ولسانها لا يفتر عن ذكر الله همساً وبعد أن انتهت من التسبيح. أدارت سلوي وجهها لجدتها وظلت تقبلها وتلح عليها أن تجعلها ترى الشيخ على وحلقة الذكر

ـ والنبي يا ستي نفسي أشوفهم مرة علشان خاطري ومش هقول لخواتي .

 وعدتها بأن توقظها حين يُقام الذكر بشرط أن تنام الآن .لم تطمئن الصغيرة لوعد الحاجة . قاومت النوم وأخذت تدعو الله في سرها أن يمكنها من رؤيتهم ، قطعت علي نفسها كل الوعود اللازمة ، حتي يمكنها الله من رؤيتهم :

والنبي يا رب . لو خليتني أشوفهم مش هغيظ البنات بدرجاتي العالية ، ومش هفرح لما الشيخ جلال يضرب ولاد عمي . كمان يا رب هساعد سامية في حفظ التحريم كمان ، ولو عايزني أديها السكر النبات اللي مخبيها كله يا رب . 

وبعد أن نامت الجدة .تسللت من جانبها .ذهبت إلى القاعة البحرية ، وبرهبة نظرت من ثقب الباب رأت أجسادا تتمايل  ، وأصواتا تهمس أحيانا، وتعلو أخري والحجرة يملؤها ضوء أبيض .ارتعشت الصغيرة وجرت إلى حضن جدتها التي ما تزال نائمة على السرير النحاسي وهمست لها :                      

ـ شفتهم ياستى كانوا بيتمايلوا ويذكروا

ـ نامي ياعين ستك .

قالت الجدة وهي تعود بجسدها إلي الجانب الأيمن. 

ـ والله العظيم شفتهم بجد .

قالتها الصغيرة بشوق بالغ وعيون مليئة بالدهشة. ردت المرأة من خلال عيونها النائمة :

ـ مصدقاكي بس نامي وبكرة احكيلي .                

ثم رفعت يديها للصغيرة وضمتها  إلي صدرها  ، وهي تبتسم  من خلال رموشها الناعسة وطوقت جسد الصغيرة المرتعش بذراعيها العاريتين ، ظلت تقرأ القرآن ويدها تطبطب عليها  ، حتي غرقت في النوم ، و نامت هي الأخري  وعلى وجهها  ابتسامة راضية .

في الصباح جرت سلوي على والديها وعمتها فاطمة  ، أخبرتهم بما رأت فابتسموا جميعا ولم يعلق أحد ، ظلت تحلف وتقسم أنها رأتهم بالفعل ،  ولكنها لم تتأكد هل صدقوها أم لا ؟  وصار حلم رؤية القاعة التي تشع نورا والأجساد التي تتمايل يراودها لسنوات طويلة .

 

الشيخ صالح :

 

هو ابن  لأحد أقطاب الصوفية الذين ينتمون إلى الدوحة العلوية،  انحدرت أصول عائلته من الأشراف الذين سكنوا صعيد مصر في بداية الفتح الإسلامي . أدخله أبوه الأزهر الشريف  ، ليتعلم العلم الظاهر ـ كما قال له حين بعث به إلي القاهرة ـ  أو علوم الفقه والشريعة قبل تعلمه العلم اللدني وعلوم الصوفية .

ظل منزله  ملتقى الأقطاب والمريدين السالكين في طريق الله ، ومقصد أرباب  الأحوال ، حاول  أن يزيل اللبس من أذهان بعض الناس الذين يفرقون بين الشريعة والحقيقة ويؤكد أن الشريعة والحقيقة وجهان لعملة واحد .

من الذين انشغل بهم وحاول تقريب هذه الحقيقة لأذهانهم  ابناه عنتر  والنضر وإن فشل مع الأول ، فظل  عنتر  طوال عمره يميل للدنيا ولا يري من الدين إلا أوقاتا تُصلي علي استعجال في المسجد ،  وإن ضاق الوقت يُصليها في البيت أو الغيط  ونجح مع الابن الثاني النضر الذي  نهل من بحر الولاية وانتقل إلي جوار سيد الشهداء .

 

بعد أن ختمت الحاجة دولت أورادها الليلية غلبها النعاس، فنامت. رأت الشيخ عليّ  يطفئ مصباح القاعة ويغادر المنزل. نادته ،  فلم يرد عليها. تعلقت بأذياله  ، فأشاح بوجهه ،  وتركها  ، ومضي ، ظلت تبكي  ، وتناديه  ، وهو يواصل طريقه ولا يلتفت . استيقظت مرعوبة  أزاحت ذراع الصغيرة التي تطوقها ،وقامت مسرعة .دخلت حجرة الشيخ . كان مازال يختم صلاته أخبرته بانطفاء المصباح والشيخ الغاضب الذي غادرهم .ثَقُلَ  هذا علي نفسها . شعر صالح  بالحزن ، لأنه لم يُقم ختمة للقرآن منذ فترة طويلة  .الظروف المالية للأسرة لم تعد تكفي  ، وإخوان الله يزيدون كل يوم . فلا يمر يوم إلا وينزل عليهم ضيوفا من الشمال أو الجنوب ولما يعترض عنتر الابن الأكبر ،  ينهره الأب،ويقول: إنهم ضيوف الله .طمأنها وأخبرها أنه سيحاول إرضاء الشيخ "علي " ويُقيم له ختمة للقرآن :

ـ عندك حق يا دولت الشيخ(علي) مايجيش في المنام زعلان بالشكل ده إلا علشان ميعاد الختمة اللي اتأخر .

ـ طب وبعدين يا صالح لازم تتصرف وتعملها علشان الشيخ ميزعلش إحنا عايشين ببركته .

ـ ربنا يسهل هاخد من الفلوس اللي شايلهم لمولد الحسين ونبقي نتصرف ساعتها .

ـ ماتخفشي البركة في عنتر   نبقي نكمل منه لو الموضوع قصر معانا .

ـ عنتر؟ ده الدنيا وخداه علي الآخر ومعدش بيدفع  حاجة لا في الختمة ولا في غيره وشايف إن ده بعزقة شقانا علي الفاضي .

ـ متعُلشي همّ ،ساعتها يحلها حلال .

 نادي علي عمر ابنه  الأقرب إلي قلبه  ، دائما  يُوكل إليه مُهمة رعاية الإخوان وإقامة ليالي الذكر ، طلب منه أن يذهب إلي سوق الخميس ليشتري خروفا ً من أجل الختمة  والأخوان الذين سيحضرون من البلد والبلاد المجاورة بناءً علي دعوته لهم .

اجتمع المريدون الليلة ، ليقيموا حلقة ذكر احتفاءً  بساكن المقعد البحري  لعله يرضى ويشعل قنديله ويستريح خاطر الحاجة الخائفة علي أبنائها .

 بدأت فاطمة وصباح تساعدان الحاجة دولت في إعداد الطعام ،  أما فايزة زوجة النضر ، كانت جالسة على طشت الغسيل . وبختها الحاجة على جلوسها طوال النهار دون أن تفعل شيئاً:

- إنت ياعدلة هتفضلي النهار بطوله على شوية الهدوم ؟

ـ طب أعمل إيه يا أمه؟ ما أنت عارفة ابنك ،إن مكنتش الهدوم تشف وترف يبهدلني .

اغتاظت الحاجة التي تحرص علي أن يكون كل شيء معداً لاستقبال ضيوف الله وخوفها ألا يفوتها شيء ، رمتها بنظرة قاسية ، واتجهت إلي عبد الرحيم الجالس على سَحَّارة العيش في حجرة الخزين ناظرا إلى لا شيء .كان الكل مشغولا عنه إلا عيون أمه ، شدته من يده لتغير ملابسه ،تملص من يدها وعاد ذاهلا  يجلس في مكانه.طبطبت علي ظهره .سار معها إلى حجرتها ، ألبسته جلبابا نظيفا وأدخلته إلى القاعة. وقف بجانب الرجال الذين يتمايلون على إنشاد الشيخ من بردة البوصيري. أخذ يتمايل معهم. ظل يهتز في تشنج والعرق يسيل من جسده الفتي ولما انفض الذكر ألقى بجسده على الأرض وجلس مسندا ظهره للجدار ينظر عيون الرجال المنتشين ولا يتحدث، حاول أبوه ممازحته       

- أنت قنديل الحلقة يا شيخ عبد الرحيم :

 كان هائما في ملكوت الله فهو الحاضر الغائب. قال الشيخ لعمر:

- ابدأ يا شيخ عمر في ذري المحبة الشامخة وفي آفاق النور والإشراق . طف بنا أقطاب الولاية في رحاب الملكوت الأعلي واغش بنا حضرات القرب والوصول .  

ابتسم عمر راضيا وأخرج من صندوق الكنوز لطائف المنن للإمام أحمد بن عطاء الله السكندري. ولما وصل عمر في حكيه أن الإمام لشدة قربه من طه النبي كانت تطوى له المسافة بينه وبين القبر الشريف ،حتى أنه كان يضع يده على مقصورته وهو جالس في  مصر .انتشى المشتاقون إلى حضرة المولى عز وجل  وعلا صوت الشيخ :

ـ اللهم صل علي طه الحبيب .وإيه كمان يابني سمعنا الله يفتح عليك .

 انتبه عبد الرحيم وتمتم ولا أحد يدري إن كان يصلي على النبي أم أنه مازال سارحا في ملكوته. لا يعي شيئا مما يقال وهو يتمايل بجسده معهم،ولكنه لا يشاركهم فرحتهم بأخبار الأقطاب والأولياء لاحظ الشيخ شفاه ابنه التي تتمتم  فقال للذاكرين :

ـ والنبي الفاتحة يا إخوان محبة في النبي يمكن يعفيه ربنا ويكشف غمته .

علا صوت الذاكرين بالفاتحة وامتلأت عيون عمر بالدموع واختنق صوته . كانت الحاجة واقفة هي وباقي النساء وراء الباب .رفعت يديها للسماء وعلا صوتها بالدعاء ، حتي يمكن لملاك واقف يشاهد الجمع المنتشي أن يطير دعواتها إلي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

وكأن الله أراد ذلك

كتبها هويدا صالح ، في 17 أبريل 2007 الساعة: 16:27 م

 وكأن الله أراد ذلك ربما فاجأتها يده تماما حينما تلمس حلمات صدرها … ربما ارتعشت كمراهقة صغيرة فاجأتها يد ابن الجيران وهي تنثر لدجاجات أمها القمح فوق سطح الدار … اليد التي جعلت جسدها يرتعش الآن … هي ذات اليد التي شعرت طويلا بثقلها فوق رقبتها وصدرها ، وهو يتحسسها في ظلمة  حجرتها ،  ويبتسم  حين تنكمش في أغطيتها ويقول لها كاد صدرك يجف فلا تبالغي في انكماشك … هل حقا كانت مهيأة له الآن ..؟ .. كانت تنحني فوق تمثالها لتضع الرتوش الأخيرة له .. تسحب بسن سكينة النحت نتوءات الصلصال ، وتصقل حول الفم صانعة  غمازتين طيرتا عقلها حين رأتهما أول مرة في مدرج كلية التربية الفنية  لشاب كان جالسا يرمقها بابتسامة وهي تلقي ألوانها علي المربع الأبيض دون صقل … هل وحشية ألوانها هو ما لفت نظره إليها …أم نظرة الدهشة الدائمة في عيونها هي ما جعلته يقول لها في جرأة لم تتوقعها أحبك ………….؟ كل الأصدقاء عرفوا بحبه لها  . باركوا تلك العلاقة ، وكلهم لم يقدروا أن ينظروا في عيونها ويروا ألمها الدائم بعد موته ، تركوها لذاكرة لا تموت . حين كانت تعود لقريتها البعيدة كانت تبحث عنه فوق شواشي النخيل ، تبحث عن رائحته فوق الجدران الطمي ، تتلمس حوائط الدور التي مر في شوارعها ، تسأل الناس عنه ، فيعجبون منها ولا يجرؤ أحدهم علي تذكيرها  بموته ، فهم جميعا كانوا شهودا علي قصة عشقها له … أمه ترفض دوما أن تراها حين تذهب إلي رؤيتها ، تقول لمن ترسله لا أقدر علي النظر في عينيها  ورؤيته  فيهما ………………عادت بظهرها إلي الوراء ، فاصطدمت به هو الواقف خلفها منذ دقائالمزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نساء الحلم والدهشة

كتبها هويدا صالح ، في 6 أبريل 2007 الساعة: 19:02 م

فلامينكو بقدمين عاريتين

تضع المربع الورقي الأبيض علي  حامل الرسم ، تخط بقلم الرصاص خطوط جسد لين لامرأة أربعينية باذخة ، تضغط بإصبعها  لتبزغ الألوان ، تمرر بها الفرشاة  دون صقل ، تضعها كما يتراءى لها ، فتضع الأحمر الناري علي الشعر المنساب علي الكتفين وتضيف الأزرق بعفوية علي الجفون ، وتكور الشفاه الكرزية في ضمة من يستعد لتلقي قبلة  يتمني أن تكون  طويلة ، تلون الخدود بالوردي الرقيق ، تتذكر" كونشرتو الأبنوسي"  الذي أهدته لها صديقتها صباحا ، تخرج الأسطوانة وتديرها في الجهاز ، وتدق بقدميها العاريتين علي البلاط البارد دقات إسبانية ، تمد يدها لتطير طرف فستانها الواسع في الهواء مثل راقصة إسبانية محترفة ، ذراعاها يراقصان الهواء ، لا راقص رشيق  هناك  يقترب الآن بقبعته وملابسه الضيقة ويحييها ، تنظر إلي لوحتها علي الحامل الخشبي ، تخرج المرأة الأربعينية وتراقصها ، تشيح المرأة قليلا بوجهها ، وتخبرها أنها تحلم بجدائل سمراء طويلة بدلا من  شعر احمر ناري ، تبتسم وتعدها بأجمل جديلة كانت علي شعر  رأس امرأة يوما ، وعلي أنغام الجاز تتمايل بها ، ثم تعيدها إلي المربع الفارغ إلا من البياض ، تضع لها وردة حمراء عند مفرق الشعر الأسود المنفتح علي نسمات هواء تهب من نافذة على الروح ، تطلب منها ألا تكور لها نهدين بازغين  هكذا ، تقول لها المرأة في اللوحة : ـ ارسمي نهدي صغيرين قليلا ، أخجل من عيون الرجال المتلصصة ، وأداريهما دوما بذراعي وكتبي وحقيبتي . ـ لقد خُلق النهدان كي يتلصص عليهما الرجال ، وحتي نرتبك نحن النساء ونداريهما بحقيبة جلدية صغيرة ، وإلا ما فائدة الحقائب الجلدية  والكتب . سأرسم لك نهدين مشاكسين ويمكن لك أن تدرايهما بذراعيك وحقيبة يدك .  

تعود إلى كرسيها صامتة

كان الطلاب في قاعة درس مظلمة ينشغلون  في تحليل أسلوب  "  كيس فون دنجن  "  ، أدار  الأستاذ البرجكتور   .  تسيطر فاطمة- وفرقتها الموسيقية- علي المكان ، شعرت بهن يملأن  القاعة  صخباً ، سألته هل زار ذلك الهولندي  مصر ، ينفي لها ذلك ، لم تصدقه تماماً ، انتوت العودة إلي كتبها ومراجعها لتتأكد من كلام الأستاذ ، ثوب فاطمة يغافل الزيت والقماش ويهفهف بثنياته الكثيرة ، ملابس الراقصات  حولها تنافس لون ثوبها الأحمر المشوب بخطوط بنفسجية ، واحدة منهن تغافل سيدتها التي أطلق عليها الفنان فاطمة ، وتدلق بعض الألوان علي أرضية الحجرة الد المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قراءة في قصص ذاكرة الجسد

كتبها هويدا صالح ، في 4 أبريل 2007 الساعة: 16:53 م

 

الذات والموضوع في ذاكرة الجسد

قبل الدخول إلي عوالم قصص ذاكرة الجسد لأشرف الخريبي علينا أن ننير قضية  تتماس  بشكل أو بآخر مع المجموعة و  هي  كتابة الجسد ، هذا المصطلح الذي يحيلنا إلي روح الأنثي ، يكشفها ، يفك شفراتها الممتلئة بالقلق والبوح، في لغة تهجس بغواية الكشف ، وتميل إلي  توظيف شفرات الجسد كقوة فاعلة وشاهدة  ، وتنزع إلي مراودة الآخر حتي يصنع لذته الخاصة  . هي لغة تهجس بالسرانية والترميز ، فهي تمثل صوت الأنثي الأولي ، الأنثي الرافضة لشتي أنواع القهر والسلطوية .

، ويمكن أن نعتبر قصص  مجموعة " ذاكرة الجسد "  كتابة تحتفي بالمرأة  ، كذات فاعلة ، وليست مجرد مفعول بها ، كما تحتفي بالمهمشين ، المنسيين تعلن عن نفسها في مفارقة مخاتلة ، فللوهلة الأولي ننتظر من السرديات المتتالية أن تقدم لنا كتابة تحتفي بالجسد ، وتؤصل لعالمه الفارق ، ولكننا نجد  أنفسنا أمام مسائلة جريئة للمجتمع ،  تسعي لخلخلة قيما استشرت وبعنف فيه ، وترنو إلي كشف عوالمه الداخلية ، تغدو  فضاءات النصوص ، فضاءات للذات ، ليست الذات المفردة ، بقدر ما هي الذات الجمعية ، تقرر الذات في لحظة فارقة أن تخرج عن صمتها وتبوح ، أن تواجه العالم بكل متناقضاته ، أن تعبر عن انكساراتها وانتصاراتها  ، نزواتها وأهوائها ، تهجس المجموعة بزعزعة كثير من الثوابت القيمية ، بغرض مراجعتها ، ولكن في لغة كنائية ، تكني ولا تصرح ، تستعمل المجاز الاستعاري ، ولا ترضي باللغة العادية التي تعطي نفسها بسهولة ، منذ العتبة الأولي للنص ، منذ العنوان ، ذاكرة الجسد ، ذاكرة الكتابة ،  إن  الكتابة عند أشرف الخريبي  مغامرة كشف وبحث ترتاد الوجود بهدف إعادة صياغته من جديد وفق الإطار الدلالي العام ، وهو ما تتقزز منه الذائقة المحافظة في مثل هذه الكتابة ، التي تؤكد لغتها الوجدانية ، فالذاكرة هنا للروح ، روح الذات الساردة ، وليست للجسد ، فالكتابة تفضح الزيف الرمزي الذي يتردي فيه المجتمع ، برموزه السلطوية ،  سواء كانت سلطة السياسة القاهرة أو سلطة الأعراف والتقاليد ، أو سلطة المجتمع بتمظهراته ، فالحالات التي يقدمها الكاتب هنا حالات لشخوص مرتبكة ، تواجه العالم  بقسوته ، يعمد الكاتب لتشكيل عالمه الرمزي إلي بني سردية متتابعة ، تقدم لنا عوالم مدهشة وباذخة ، لا نقدر إلا أن نتعاطف معها ، فالجسد يكتسي  في هذه المجموعة بعدا رمزيا أكثر منه بعدا إنسانيا ملموسا ، وفي سرداته  يحيلنا الكاتب إلي أحداث ووقائع   وشخوص تحمل رؤيته للعالم ، فسؤال الكتابة لديه هو كيف تري الذات الساردة العالم مهما تعددت تنويعاتها ، وتيماتها ،  وتستمد نصوص المجموعة تستمد بنيتها من المتخيل والواقعي ، وتغوص خطاباتها في عوالم مشدودة إلى ذاكرة الروح و فضاءتها ، فالسارد يصنع لنا فخاخا ليختبر بها الذاكرة الجمعية ، والهوية السيسو ثقافية ، فهو ينسج اللاشعور الجمعي ليحلم ويتعذب ويشعر بالقهر ، ويتمرد نيابة عنا  .

 يحيلنا  أشرف الخريبي  بوعي إلي  إيحاءات عديدة واقعية ورمزية ، وأبعاد نفسية وفكرية لعلاقة الإنسان بجسد المجتمع وضميره الجمعي ، ومخزونه المعرفي ، ولكي يمكننا إدراكها علينا بفك طلاسم اللغة الترميزية المستعملة ، التي تخلق حوارا دائما مع الوجود ، وتغوص عميقا في سراديب الذات . وتتعمق صورة الجسد حين يصبح معادلا للحياة / الموت  كما في قصة، "   فاطمة " فاطمة تمثل عالم المههمشين الذين يمثلون البراءة بأي حال  / البحث عنها  ودور الأطفال / غيابها يمثل غياب القمر  / توظيف الميثيلوجيا الشعبية بعودة القمر حين يتوجهون إلي السماء لتطلق عنانه ، هي  الحلم / المرأة الحلم / البحث الدائم / تخيلها في كل ما هو جميل  ، يقيم السارد طقوسا شعبية أسطورية ، تحمل الدلالات الميثيولوجي  يقول :

"    لو سألت الطير والشجر السواقي وفدادين الذرة النجوع\ القرى كل أهل البلد.يعرفونها.سيقولون لك عنها سيحكون لك,

    …………  يا سيدنا يا بلال فك شنقة الهلال "

هكذا يا سيدي على دكة الشافعي شيخ الناحية ظلوا صامتين وعيونهم تتعلق بالسماء يطرحون الأمر يقلبون الحكايات القديمة القمر محطوط في المدار عند الساقية المهجورة جلس على أبو محمود مع زوجته الحامل في الأشهر الأولى منتظرا أن تأتيه بالولد. السماء كانت غائمة كأنها ستمطر

 " يا سيدنا يا عمر فك شنقة القمر "

وقفت الكلاب على أقدامها الخلفية هاجت القرية بالبسملة و التراتيل و الدعاء و معرفة الله

زامت البيوت و تكدرت البهائم في الأجران وناحت, أطلت الضفادع من شقوق الماء في المصارف

والترع وسكنت زحفت الثعابين والتفت في دائرة جماعية كبيرة و بينهم الأقرع الكبير

 

   وتأتي صورة الجسد المتوقعة من الكاتب الذي وضع عنوانه " ذاكرة الجسد " تأتي الصورة مغايرة لتوقعنا ، فذاكرة الجسد هنا ليست في الجسد المتعين ، بقدر ما هي في الروح ، الروح المفرد / الجمع / الذات / المجتمع ، ثنائية لعب عليها القاص بمهارة ،  وأنتج عوالمه معتمدا علي التخيل والتوهّم والحلم ، عمل علي تشكيل لوحات فنية متفردة ، تنقل لنا صرخات الروح  والجسد ، تنقلنا إلي عالم الدهشة ، فنبحث معه عن فاطمة التي فقدها كل منا ذات حلم ، فهي المعادل للقمر المخنوق ، هي التي ينادي الصغار ويهتفون باسمها علي بنات الحور ، حتي يطلقوا سراح القمر المأسور ، لقد صارت فاطمة / المرأة حلم ميثيلوجي ، مسبوغا بهالات من الجلالة والتقديس ، وبعودتها تعود الحياة .

هنا يقدم الكاتب مقلوب الأسطورة المصرية القديمة ، فإيزيس في مصر القديمة هي التي تبحث عن أوزير ، تلملم أشلاءه ، تعيد إليه الحياة ،  أما السارد هنا هو الذي يبحث عن إيزيس / فاطمة ، ويحلم بعودتها التي تعيد الخصب والنماء للأرض ، وهذه رؤية نسوية تُعلي من صورة المرأة ، وتأتي بها مغايرة للنظرة الذكورية في الأدبيات .

وصارت حتي الطبيعة تشاركه حلم البحث عن فاطمة :

"  همدت النار في المواقد والأفران ومن فوق المعسل القص طارت. نكشت شعور الرجال

عند أول الماء وقفت أنادى فاطمة, أظافر مخبريك الأغراء لهفتنى, كانت فاطمة في الماء تضحك, أيدي رجالك سحبتني

 توقف العرق قليلا عن التهام جسدي اليقظان, البوظة طبقة كثيفة من هواء رطب.والجواميس تحلب لبنا رائبا. الأبقار تبقر بطون بعضها، تنطح أولادها. والبلد تتحاكى وتحكى "

حالة من الكابوسية ، وخوف من رمزية السلطة التي وأدت حلمه دون شفقة .

هناك حضور مكثف للمرأة في فضاءات النصوص سواء على المستوى الجسدي أو عبر الذاكرة أو على مستوى الإحالة الرمزية ، وكما أسلفت حضورها قوة فاعلة فنراه في قصة "  أوامر امرأة  متوحشة " يمازج بين الهم العام والهم الخاص ، بين الرجل الذي يخوض حربا عبثية ويتلقي أوامره من قيادته ، وبين الذات المفردة التي لا تعرف كيف تقيم علاقة إنسانية في الواقع ، فتنسجها من خلال عالم افتراضي ، صارت الحروب افتراضية ، وصار الحب والجسد افتراضيا :

 "   من فهد 1 إلى فهد 2 هل تسمعني.. حَول

 فهد 2 إلى فهد 1 أسمعك بوضوح أرسل الإشارة.. حَول

 إلى السرية الأولى هل تسمعني ؟ ..أفد..حول  

  أسمعك بقوة.. حول 

صوتك الهامس في أذني يخترق مفازات الدهشة والأحلام يصب جُمار العشق في الحنايا لظى. يكتوي بحرماني منك..هكذا يا عيوني..

 نجح العدو في اختراق النسق الأول

 مطلوب التعامل مع الهدف

أَمر بضرب 8 طلقة 4 متتالية و الباقي منتظم بفاصل –20 /ث ثانية.. بلغ عن حاضر..حَول "

يرسم الكاتب صورته المشتهاة بلغة ، تعبر جدار الجسدانية إلي اللغة الوجدانية  التي يجيدها الكاتب  :

"  أول إشارة من عيونها أرسلتها خلف نظرة طفولية ممعنة في البراءة كنت جالسا على الكنبة الفخمة وكانت هي تستدير لتصلح من وضع جهاز التلفزيون أمامي لأشاهد المباراة، تخرج الابتسامة الحلوة من فمي قرمزي تعانق لهفتي وتردني لعصور وأزمنة الفرح, فرح التقاط الصور الأولى في مهرجان الحياة مرت أيامي. وهي تمر بيدها فوق ملامحي. تؤكد على وجودي محفورا ليس على شاشة الكمبيوتر " 

.       

 وفي قصة أخري هي قصة هدي " ، يرسم بطله المحاصر والعاجز عن تحقيق أحلامه ، يحاول القاص إنقاذ الذات التي اُغتيلت  أحلامها وآمالها ، ولكنها ظلت  متمسكة بهاجس البحث عن الحبيبة الضائعة ، التي ضيعتها ظروف القهر والضياع  ، العودة إلي المرأة الحلم المتخيلة التي تبحث عنها الذات في كل الملامح ، وحين تجدها لا تقدر علي إقامة حوار حقيقي ، أو تلامس جسدي  فيتحول الحوار إلي مونولج داخلي  … وتقيم حوار للحواس ، فقط الحواس التي تتحدث ، والذات تنصت ، حوار مسكو ن  بالحلم / اللغة مراوغة توحي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كوي علي أعماق الأنثي المنسية

كتبها هويدا صالح ، في 2 فبراير 2007 الساعة: 00:58 ص

كوي صغيرة نبص من خلالها علي أعماق الأنثي المنسية

حين قرأت لأول مرة أنه كانت هناك شاعرة  إغريقية  عاصرت هوميروس وأرسطو وأفلاطون ، وشهدت كل القهر والظلم والتحيز ضد المرأة  ، وكتبت شعراً ذاتياً  .. لا يمجد البطولة والأساطير والملاحم ، بل يشكو لوعة الحب ، وعذاب الذات اندهشت … تعجبت من قدرة المرأة علي التعبير في ثقافة الإغريق التي تحيزت ضد المرأة واعتبرتها  كائناً  من الدرجة الثانية ، حتي أن أفلاطون لم يدخلها  جمهوريته إلا من أجل وظيفتها البيولوجية فقط  … تعجبت وأنا أقرأ للشاعرة  سافو  التي  كتبت  قبل ميلاد المسيح بستمائة عام  ، ثم تأتي بعدها  عام ألف ميلادية  ، وتكتب سيدة يابانية  ، اسمها السيدة موراسكاي  ، تكتب رواية طويلة وجميلة ، تمر السنون ، ويأتي عصر النهضة ، ويبدأ الأدب في الازدهار  ، وينزاح دور المرأة المبدعة  ،  فالأدب في تلك الفترة أدب ذكوري خالص ، الأدب الإليزابيثي  أدب ذكوري ،  لا مكان فيه لكتابات المرأة ، إلي أن يأتي  نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر ،  و تنطلق المرأة تعبر عن ذاتها ، تنال قسطاً من التعليم  ، وبعضاً من الحرية ، ونري كاتبات روائيات يكتبن في بداية القرن التاسع عشر مثل : جين أوستن  وإميلي برونتي وشارلوت برونتي  وجورج  إليوت  ، ويستمر نهر إبداع المرأة متزامناً مع نشاط واسع للحركات النسوية في العالم ، والتي نجحت إلي حد كبير  في تأسيس اتجاه نقدي جديد قادر علي إنتاج أدبياته الخاصة  ، ويلقي دعماً واسعاً من كبار النقاد والمفكرين أمثال : رولان بارت  ودريدا  ولاكان  وهيلين ساكسوس .

ولقد شغلت إشكالية المرأة  / الكتابة  وفكرة الأدب النسوي  المفكرين منذ فترة طويلة ، لقد انكبت الحركة النسوية في العالم علي مشكلة وضعيات النساء الرسمية والمادية ، والاضطهاد الواقع علي النساء ، وحاجتهن للتحرر والمساواة  ، مع التأكيد علي الحاجة إلي تغيير بنية المجتمع وتوجهاته .

والجدير بالذكر أن  مصطلح النسوية ظهر للوجود تاريخياً في سياق الثقافة البريطانية ليصف أنشطة الدعاية والتحريض التي قامت بها  الجماعات النسائية  وبعض جماعات المثليين  احتجاجاً علي مسابقة ملكة جمال العالم  عام 1970 ، تقول روزاليندا  كاوارد  : " إن صفة الانتماء إلي النسوية لا يجب أن تطلق إلا علي اتحاد النساء في حركة سياسية ، لها أهداف سياسية  "  ، لقد كان لهذا الحضور النسوي انعكاساته  في ثقافتنا ، إذ اتسمت الكتابات النسوية لدي الكاتبات العربيات بجماليات خاصة ،  مازتهن في الشكل والمضمون كما سنبين لاحقاً .

فلقد صار هذا المصطلح  يسبب جدلاً كبيراً بين  الكتاب والمثقفين  ، وهل هناك فروق جوهرية بين ما تكتبه المرأة من إبداع وبين ما يكتبه الرجل ؟ وقد أثار هذا الاصطلاح ضجيجا زاعقاً  بين أوساط  الأدباء والمثقفين  ، واختلفت الآراء بين من يؤيد وجود أدب نسوي  ، ومن ينفي  ذلك  ، والغريب أن بعض الكاتبات أنفسهن ينفين وجود أدب نسوي ، ويؤكدن علي أن الأدب  يكون أدباً أو لا أدب  ،وليس أدلّ علي ذلك من الرأي الذي قالته الكاتبة بثينة الناصري في شهادتها لمجلة " ألف "  العدد التاسع عشر لعام 1999 ، تقول : " لا أحب أن يسألني  عن الأنوثة  والذكورة في الكتابة ، ولم أشغل نفسي يوماً بهذه المسألة ، فعندما تبدأ  عملية الخلق ، يتحول الخالق إلي كائن لا ينتمي إلي جنس بعينه لكنه يبدع  إناثاً  وذكوراً ، ولكن هل لهذا الخالق الأرضي أن يتجرد حقاً من جنسه وموروثاته  الثقافية والاجتماعية المرتبط بهذا الجنس أو نقيضه ؟ " ، . وقد أدت هذه الاختلافات إلى محاولة  وضع  نظرية نقدية تدرس الإبداع النسوي  بصورة مختلفة.

 إن الكتابة بالنسبة للمرأة فعل التوازن بين الداخل والخارج ، بين ذلك الصوت الداخلي الذي يحاول أن يفتح ذلك الداخل الذي ظنته المرأة  مفقوداً ، نتيجة لعالم القسوة والخوف ، وجدت المرأة من خلال الكتابة أضواء صغيرة ، تضيء داخلها ، شعلة في قلبها تشع ، فتحلت بالشجاعة ، وغاصت في الداخل ، لتخرج لنا اللؤلؤ المخبوء ، ذلك المسكوت عنه منذ قرون طويلة ، تسرب النور من داخلها ، فصار الداخل خارجاً ، تحولت وتجلت ، وقالت لا داعي للخوف ، فقط علي أن  أتحلي بالصمود والجلد ، فربما لا نعلم أبداً من أين تأتي القوة .

إذن حاولت المرأة  أن تمازج بين ما هو ذاتي  وأنثوي في بني سردية متباينة ، ومشهدية مختلفة تعبر عن قسوة التجربة التي تعيشها المرأة وعن معني اختراق السائد في القيم الاجتماعية والذي يبقي وضع المرأة المستلبة علي حاله .

وإن كانت المرأة في تجربة الوجود الأولي هي التي قادت إلي المعرفة ، عندما أكلت من الشجرة المحرمة ، شجرة الخلود ، شجرة ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

رجل وحيد وشجرة عارية

كتبها هويدا صالح ، في 24 يناير 2007 الساعة: 13:08 م

كيف يتجاوزها هكذا دون أن يراها ؟

كثيرة هي المرات التي نثرت عطرها حوله  … لكنه يتجاوزها فقط ويمضي 0   هل صارت شبحاً ؟ .. دائما يعبرها في حلمها … وحين تستيقظ  ، تذهب  لمرآتها،تطيل النظر فيها ، تبحث عن مناطق تميزها  ، تزم شفتيها 0تكورهما  و تلقي المرآة بنظرة لا مبالية  لا تدل علي شيء وتنصرف، تقول بصوت ربما سمعته أمها الكفيفة التي ترقد في الحجرة المجاورة

 :- أقسم لو نظر فقط في  عيني.. لحبسته فيهما . لعلمته كيف تُعشق امرأة مثلي ….

وأمها تسمع تقلبها في فراشها طوال الليل ولا تعلق … فقط حين تضع لها طعامها في الصباح تتلمس وجهها … وتتنهد  بعمق وتصمت …

تهمُّ أن تسألها ما بك يا أم .. ولكنها   تتراجع في اللحظة الأخيرة … لا تريد أن تفتح باب نقاش ربما يطول .. ودوما لا تُحسم نهايته .. فلا الأم التي تتسمع لهمس أحلامها تكف عن القلق … ولا هي تقدم لها مبررات لهذا الليل الذي يطول دونما نفس رجل  ، فتسكت … تقبلها قبلة تحاول أن تسترضيها بها .. تسكت نيران القلق الذي يأكل قلبها … وتثرثر عن أشياء تبدو غير منطقية .. تحدثها عن زميلاتها .. تصف لها كل واحدة … وتذكر لزماتهن في الكلام .. والأم تغالب دمعة تريد أن تغافلها وتنزل … حين تكتشف البنت أن أمها تعرف تماما ما تداريه بثرثرتها الصباحية .. تتركها وتقوم ……… وتعدها بصباح آخر يكون أخف  وطئا .. فتبتسم الأم وتلمس بأصابعها تجاعيد وجه صغيرتها التي صارت بارزة  تماماً .

رجل وحيد

يرتل  أوجاعه

يلملم خيوط الدهشة

ينثرها في وجه العتمة

ينتظر امرأة قرأ خرائطها الأولي  ذات حلم

وبنت  تنتظر حبيبا يلون الحلم بألوان قزحية

يعيد للروح بهجتها ويفك شفرات حلمها 

  تذكرت حلمها الذي يراودها كل ليلة ..  كل ليلة يأتيها وجهه . تختلف الأحلام . تختلف الأحداث والوجه واحد . تجتهد في فك شفرات حلمها .، تتوه في مساحة الحلم  الذي   باتت تفرح حين يأتي الليل ، حتي تراه  ،  يوم آخر لن تفلح أحلام الليل في تمضية ساعاته .. قلب حزين وفارغ إلا من  الانتظار ،وروح تتوق لمن  يدفئ بردها .

استرجعت كلماتها التي استيقظت علي صوتها ترددها ، وابتسمت ، أمل باهت  يتسلل إلي قلبها كقط خائف ومرتبك أن تراه سيدة الدار فتنهره ،  بإحساس غير منطقي  وعفوية امرأة ملّت تأخر أملها قالت :

00ليكن اليوم يومي  ،  فرحي  .. اليوم لي وحدي .. أنا فقط من سيشكل لحظاته ،  في طريقها للعمل ، تنظر إلي السماء الصافية … السحاب الأبيض يشكل صوراً سريالية  والطريق طويل إلي المدرسة التي تعمل فيها … قررت أن تمضي الوقت في تشكيل صور للسحاب وفق مزاجها النفسي .

 هذه السحابة تشبه " أم أحمد " زميلتها التي تجلس بجانبها ، وتعد لها قهوة الصباح علي السبرتاية الصغيرة أسفل المكتب … وتلك  تشبه " علية " .. علية " أم كحلة " كما تسميها الزميلات .. تبتسم حين تتذكرها وهي تحبك فستانها أكثر … وتتمايل في غنج مفضوح ، حين يهلُّ علي المدرسة في بداية العام الدراسي مدرسون جدد .. ولما يمر العام دون أن تفوز بواحد منهم .. تضحك في براءة وتقول .. ولا يهمني بكره ييجي اللي أحسن منهم دول حتي كلهم فلاحين … الزميلات يمازحنها بمحبة … وهي تتعجب من ضحك علية الدائم .. وتسألها :

ـ أنت دايما كده بتضحكي …

 أفاقت من شرودها  علي سحابة تشبه ثورا انفلت من يد الراعي ..وطاح في البرية .. وقررت أنها    تشبه المدير الذي تربكها نظراته ، ورابعة تشبه " عايدة   " التي تداوم علي غزل الحزن طبقات ولفات علي زوج وطفل فقدتهما العام  الماضي.

 قالت  لنفسها  في مرح:

- عايدة طيبة ، فلتكن لها هذه السحابة البيضاء اللطيفة  0

  تقترب من المدرسة ، البوّاب يفتح لها الباب في حركة مسرحية ، كعادته في ممازحتها ، تبتسم وتسأله عن صغاره  وزوجته ، وتنصرف قبل أن يكمل جملته   … . تدخل حجرة المدرسات  ، زميلاتها في العمل يثرثرن .،  يتحدثن عن خبث الأزواج ، وهموم الأولاد .، يتبادلن النكات القبيحة ، ويمصمصن شفاههن ، يتدثرن بحكمة  السنين و يتفقن علي الجملة التي يعلنها في نهاية كل حوار ، صمت الأزواج ونكدهم خير من الوحدة القاتلة ..هي الجملة الأثيرة التي يختمن بها ثرثرتهن الصباحية ،  ينتبهن لوجودها .، يتبادلن النظرات ويصمتن . تقطع واحدة منهن حبل الصمت وتتوجه بالكلام إ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصيدة رجل أسطوري وترجمتها للفرنسية

كتبها هويدا صالح ، في 19 ديسمبر 2006 الساعة: 12:03 م

  1. إلي الذي فك طلاسم شفرتها .. وتسلل إلى صباحاتها البكر

    غابات موحشة
    وامرأة متوحشة
    ترتدي ثوب عتمتها
    تهدهد عصفور روحها
    تعده بأشجار مورقة وورود متفتحة
    تبحث عن رجل أسطوري
    تهيئ له متكئا في الروح
    تنتظر أن يقرأ خرائط جسدها
    يضيء كهفها السري
    يرسل غيمات ممتلئة
    تساقط مطرا .. سيلا … يروي الغابات المنسية
    فتخرج أشجارا مورقة
    تطير عصافير ملونة
    والرجل الأسطوري حين يأتي
    يشعل جسدا وروحا
    فقط يشعلها وينصرف
    هي غير قادرة علي لملمة بعضها الذي انفلت
    تجلس فوق خرائطها الممزقة
    تعيد لملمتها
    تفك رموزها
    ولا تستطيع
    فقط تنتظر
    ربما يدفعه الشوق فيعود
    يعتصر الغيمات ويسقي الغابة العطشي
    فتورق أشجار الحزن
    وتتدفأ المرأة التي لم تعد حزينة
    فترقص نشوى وتتلو تعاويذ العشق
    تحزمه بها
    تناجي روحه أن تعود إليها
    حتي تتدفأ في كفه
    ويتلمس صباحاتها البكر
    وتن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

وداع لا يليق بأمي

كتبها هويدا صالح ، في 10 نوفمبر 2006 الساعة: 19:36 م

وداع لا يليق بأمي

 

 

 

جاء  صوت أختها كمن وضع حملاً ثقيلا ظل يحمله فترة طويلة ، قالت بصوت حيادي تماماً : أمك ماتت ، ظلت صامتة لا ترد لبضع دقائق جعلت الأخت علي الطرف الثاني من الهاتف تعتقد أنها تبكي فرددت لها بصوت أكثر حيادية :

ـ  ارتاحت محدش شاف عذابها .

وضعت السماعة في هدوء .. كان  زوجها يمشط للصغيرة شعرها .. نظر إليها نظرة تساءل ، فانهارت بجانبه علي الكرسي .. الصغيرة تنفلت من يد الزوج وتمسك بيدي أمها اللتين تغطي وجهها .. رفعت رأسها حين بدأت الصغيرة تبكي .. احتضنتها وتاهت في الفراغ .. زوجها يشعر بالارتباك ولا يجد كلمات يواسيها بها .. لقد عادت منذ  ساعات بعد أن ظلت بجانبها ثمانية أيام .. وقفت علي استحياء أمام أبيها وقالت له :

ـ هروح أجدد الأجازة وأرجع .

سؤال ظل يتردد في ذهنها .. أما كنتي قادرة يا أم علي أن تفيقي لحظات حتي أر ي فيها عيونك لآخر مرة ؟  ،  دست  بعض الملابس لها ولزوجها في حقيبة صغيرة  

قررت ترك الصغيرة مع عمتها  ، سارت  وسط ذهول جيرانها الذين تعاطفوا معها وبدأوا يرددون تعليقات سمعتها في صمت :

ـ السكينة سارقاها

ـ والله أمها كانت ست أميرة

ـ يا عيني هيتبهدلوا في نص الليل ، مواصلات الصعيد صعبة

لم يستطع الزوج أن يساوم كثيراً  السائق  العجوز .. وافقه علي ما يريد رغم المبالغة الواضحة … واندسا  في سيارته المتهالكة ،  بدأ الزوج يردد الآيات القرآنية والأدعية وهو يلف ذراعه حول جسدها ، ينظر في وجهها من وقت لآخر فيجدها مازالت مستيقظة ، يواصل قراءته وهي تنظر في العتمة الممتدة ، أضواء السيارة تبددها ، فتتمايل أشباح الأشجار والنخيل علي الجانبين ، لم تكن تفكر في شيء في تلك اللحظة إلا في ملامحها التي تفر منها ، كيف تتلاشي ملامحها بهذه السرعة ؟!

حاولت تذكر مواقف تجمعهما ، لا شيء في الذاكرة ، كل شيء باهت وبعيد ، تأتيها صور غير مترابطة في عتمة الليل …  طوال عمرها العلاقة بينهما غير تقليدية ، هي المرأة الضعيفة  خالص  ،  صورتها وهي تقف حائلاً بينها وبين أبيها وهو يهم بصفعها  تحتل الكادر الآن … صوتها الضعيف يحاول إقناعه بعدم الضغط عليها لتتزوج ابن أخيه .. يخشي عليها الجامعة .. والكتب التي لا تتركها من يدها ..والأفكار .. تحمس كثيراً حين تفوقت في المدرسة .. لكن كلام أخوته عن مخاطر الغربة والسفر علي البنات تربكه .. وهي تصر علي أن يتقبل فكرة خروجهن وتعليمهن :

ـ ولادك متربيين وعاقلين

يد زوجها تربت علي كتفها .. تفر بعيداً حيث الجسد الذي تركته منذ ساعات   .. حين اخترقت السيارة الطريق الترابي الذي طال علي غير العادة كانت خيوط الضوء الأولي تبدد العتمة  .. الرجال يخرجون للحقول .. صورهم تبدو ضابية في غبشة الصبح .. تميز بعضهم وهم يتحدثون ويجرون وراءهم  حيواناتهم .. البعض الآخر أسماءهم تضيع من ذاكرتها … ولد صغير يقف أمام منزله يدعك عيونه ويشيع السيارة في  نظرة  لا تدل علي شيء  .. النساء اللاتي يذهبن للسوق أو للحقل يرمقنها في أسي ..  اقتربت من شارعهم نزلت تاركة الحقيبة لزوجها .. يشد الزوج علي يد السائق ويشكره  .. ينظر السائق في الن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أسطورة ذات ما بعد الحداثة بين الخاص والعام

كتبها هويدا صالح ، في 2 نوفمبر 2006 الساعة: 22:53 م

 

 

 

أسطورة ذات ما بعد الحداثة بين الخاص والعام

قراءة في مجموعة " مزيداً من الوحشة " لبسمة النسور

 

هذه المجموعة ذات الطابع الإنساني الواسع تقول للقلب يا قلب اتسع أكثر حتي تسع هموم العالم  ، لم تنشغل الكاتبة الفلسطينية   " بسمة النسور"  بالأسئلة الفلسفية  ، لم ترتد ثوب النبي ، وتمسك بقلم الحكمة وتعطينا خلاصة أفكارها ، بل بالكاد أعطتنا خلاصة روحها .. كل أبطالها يحاربون العدم .. الانزياح  أمام سطوة العالم بقسوته التي لا تحتمل … توزعت الذوات الإنسانية التي تطل علينا من بين صفحات المجموعة بين  الحلم والواقع ،أو بين الحقيقة والوهم ،وهى أشياء صغيرة  … تغفل العين عنها .. لكن الكتابات  الشابة فى سياق  ما بعد الحداثة  تكرس لهذه التفاصيل .. تكرس لما هو إنساني .. لا تنشغل بالإجابة عن الأسئلة الكبري .. أسئلة الوجود و العدم .. لقد انتهت القضايا الكبري .. ولم يبق أمامنا إلا أن نكتب أنفسنا .

قسّمت بسمة النسور قصصها إلي مجموعتين الأولي قصص طويلة إلي حد ما تصور العلاقة بين الأنا والآخر .. أياً كان هذا الآخر سواء كان جدة خدعتها بمخيلتها الواسعة .. وحكاياتها التي لا تنتهي .. والعالم الافتراضي الذي أقامته لصغيرتها .. حفيدتها .. حتي صنعت بينها وبين العالم حاجزاً زجاجياً شفافاً يكاد لا يري ولكنه سميك .. سميك  بالقدر الذي لا يمكن اختراقه .. جعل الذات الساردة تنزاح للداخل .. تحيا عوالمها الافتراضية الجميلة ويحدث بينها وبين الآخر قطيعة حقيقية ، ولكن سعادتها في هذا العالم آثمة ومليئة بالخذلان ، فهي غير حقيقية تقول في قصة الكثير من الخذلان : " كانت حياتي ستصبح أسهل بكثير لو أ، جدتي لم تكن كاذبة ، أو بعبارة أكثر تهذيباً لو لم تكن ذات مخيلة  جامحة ،لما خطر في بالها أن تقنعني ذات ليلة شتائية بأنها لن تتركني أبداً . لو أنها أخبرتني أنها سوف تموت لما أصبحت ساذجة إلي هذا الحد … حين قالت لي مرة أنت أميرة ، إياك أن تتصرفي مثل بقية الصغار .. عليهم أن يرفعوا أعناقهم عالياً كي يتمكنوا من التطلع نحوك .. صدقتها بالطبع وأخذت أتصرف علي هذا الأساس " ، وتستمر علاقتها  بهذا الآخر الذي قد يكون صديقة رائقة المزاج تسخر منها برسالة بذيئة تصلها عن طريق الهاتف المحمول ، أو رجل يتصادم معها وهو يقف بعربته خلفها أو زوج أو حبيب خانها ورحل ، ولا تنسي أن تهدي  القصة التي جعلتها عنواناً للمجموعة كلها وهي " مزيداً من الوحشة " إلي كل النساء ، كل الأحبة الذين يخونون النساء ويرحلون .. كل الأحبة الذي ننبش التراب بحثاً عن ملامحهم .. نتمني أن يقضوا معنا ليلتهم الأخيرة .. ولكنهم لا يفعلون .. فقط يخونون .

 تفتش القاصة فى الذات  ، تنهمك فى تشريحها  ، في  تفكيك عالمها الذي يبدو متماسكاً علي نحو يدعو للدهشة ، ولكنه في الحقيقة عالم هش ، تتحايل فيه الساردة بكل الحيل علي النوم حتي يأتي ، وعلي الأحبة حتي لا يرحلون ، وعلي الأصدقاء حتي لا يتركوننا للوحدة ،  تصنع سياقها الخاص الذى هو واقع افتراضي يعكس  قلقها تجاه الواقع  الحقيقي ، فهي   فى حالة قلق دائم ونقد ومراجعة  لنفسها و للواقع  من حولها  ، تقول في قصة " احتيالات " : أصحو حوالي التاسعة صباحاً ، وقد زال تأثير حبة المنوم التي تناولتها بعد منتصف الليل . لجأت إلي حيل نفسية كثيرة قرأت عنها كي أستدرج النوم ، وأتجنب الأرق الذي أصبح ملازماً لليلي ، كأن أحصي مئات رءوس الغنم … أو أن أتمشي وحيدة علي شاطئ منسي ، أغوص في الرمال الناعم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عادل السيوي يمارس لعبة المرايا المتقابلة

كتبها هويدا صالح ، في 2 نوفمبر 2006 الساعة: 03:18 ص

 

 

 

نجوم عمري ، نجوم يطلون علينا من ذاكرة عادل السيوي الحيوية والدافئة ، أثروا الماضي وشكلوا جمالياته من خلال إبداعهم الفياض ، تغلغلوا في ذواتنا واحتلوا مساحة دافئة وإنسانية شكلت وجداننا ، هم نجوم الستينات حيث المد القومي ، حيث كان هناك مشروع عربي محدد الملامح ، عصر استثنائي رغم قسوته وهزائمه الكارثية ، عصر يحتاج لعين خاصة تمسك بلحظاته الحميمية ولا تفلتها ، تتجاهل اللحظات الشائعة ، تبحث عن الجمال الكامن خلف هذه الوجوه ، يحرره ، يطيره في الفضاء حولنا أشعة عشق ومحبة ، يواصل عادل السيوي لعبه ولهوه ببراعة شديدة وجرأة نادرة بعيداً عن خلفيات المثقف المعرفية وقناعاته الأيدلوجية ، إنها نوستالوجيا مصرية شديدة الخصوصية ، محتشدة بصور ورموز موحية ومخاتلة ، منذ النظرة الأولي نعتقد أنها مجرد بورتريهات لوجوه طالما عشقناها ، لماضٍ جميل حيث زمن الحب والإلهام وخصوصية اللحظة التاريخية ، ولكننا ما إن نبحر في ذلك البحر الزاخر بصور الذين ألفناهم وأحببناهم حتي ندرك أن عادل السيوي يمارس لهوه غير البرئ بتسليط الكاميرا في لقطة كلوز أب علي رموز ساهمت في تشكيل رؤانا ووجداننا ،

 

 

 وجوه تحية كاريوكا وعبد الحليم حافظ وليلي مراد وصلاح جاهين وسعاد حسني وشادية وغيرهم من وجوه زمن العشق والهوي ،، يحرر تلك الأرواح الهائمة ، يقيم لها كرنفال حب وبهجة ، يلعب عادل السيوي بمساحات اللون علي المساحات الورقية والخشبية والتوال ، عفوية اللون تبعدك تماماً عن الكاميرا التسجيلية ، هو غير معني برصد الواقع الفوتوغرافي لهذه الوجوه ، بل هو يلملم ملامحهم من ذاكرة محبة ، ورؤية فكرية تتواري بذكاء خلف التفاصيل المدهشة لهذه الوجوه المحبوبة ، اختار لحظة لكل وجه ، عبد الحليم ولحظاته الباردة ، صباح في قمة نضجها الفني والأنثوي ، شادية ببراءتها وألفتها ، أسمهان وغموضها ، وليلي مراد وجمالها الشفاف ، وسعاد حسني أنوثة ناضجة وطاغية ، من منا لم يقع في غرام سعاد حسني ولم يحلم بها ، يتساوي في ذلك الذاكرة الذكورية والذاكرة الأنثوية فسعاد حسني معشوقة الجميع ممن عاشوا هذه الفترة ، من منا لم يهتز طرباً علي كلمات جاهين وهي تنطق بها بشقاوة بالغة ” يا واد يا تقيل ” ، من منا لم يضحك ملأ قلبه علي تعليقات عبد الفتاح القصري ولم يحفظ له جملاً بعينها يرددها من وقت لآخر، فلا نقدر علي أن نمنع أنفسنا من الضحك وصوته يجلجل في الفراغ ” ست أنا مش شايف أيها ست ” أو يستدعي تعليقه علي جمال أخاذ ” أنا في عرض مرصد حلوان ” ، ربما يدفعنا سحر الماضي وعفويته إلي رؤية ناقدة لواقعنا المعاش ونقد هذا الواقع ، والوقوف في حيرة ودهشة أمام مستقبل يبدو غامضاً وكابياً ؟!
إن الفنان عادل السيوي يق

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي